توقفت أمام واحد من تلك الردود التي لا يمكن أن تصدر إلا من وجدان تشكّل من طين هذه الأرض، حين طرح أحد الأشقاء العرب سؤاله بدهشة عن هوية مصر المذهبية، فجاءه الرد من شاب مصري قبطي مسيحي بنبرة واثقة قائلاً: يا صديقي، إحنا في مصر ماعندناش التعقيدات دي، إحنا شعب بيحب بالفطرة، أنا مسيحي قبطي مصري، وبقولك إننا بنحتفل بمولد الحسين والسيدة زينب، وبناكل حلاوة المولد، وبنحب آل البيت بصدق، هل ده معناه إننا بقينا شيعة؟ طبعاً لا، ولا يعني إن المسلمين بقوا مسيحيين لما بيشاركوا معانا أعيادنا وياكلوا الكحك، إحنا في مصر لون واحد، بنحب كل اللي بيحب ربنا، وبناخد من كل زمن أجمل ما فيه ونخليه مصري، فما تحاولش تحطنا في خانات، لأن مصر هي العقيدة اللي بتجمعنا كلنا.
وهذه الصبغة التي تحدث عنها الشاب ليست مجرد كلمات، بل حقيقة يومية تراها في مجمع الأديان بمصر القديمة، حيث تمتزج أنفاس الكنائس بعبق المساجد في حالة عناق دائم، وتظهر عبقرية المصري في تلك الألفة الفطرية التي تدفع المسلم لزيارة السيدة العذراء بقلب مفعم بالرجاء، وفاءً لنذر أو طلباً للسكينة، بينما تجد جاره المسيحي أول من يعلق فانوس رمضان، ويقف في صفوف الموالد بمحبة خالصة لآل البيت، في مصر فقط لا تندهش إن وجدت شارع النبي دانيال يجمع المسجد والكنيسة والمعبد في أمتار قليلة كأنهم على مائدة واحدة، ولا تستغرب من أسماء مشتركة يتداولها الجميع بدافع المحبة والانتماء، فنحن لا نفرق بين مريم في الإنجيل ومريم في القرآن، بل نراها سيدة واحدة باركت أرضنا بقدومها، لتظل العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر سرًا مقدسًا عجزت أقوى القوى عن تفكيكه أو النيل من صلابته.
هذا الرد الذي صاغه شاب مسيحي قبطي مصري يمثل التعبير الأصدق عن الدستور الوجداني الذي تعيش به المحروسة منذ فجر التاريخ، وهو الإجابة الكافية على سؤال العالم المتكرر: يا مصر بتعمليها إزاي؟ وكيف تنجحين في جمع كل هذه التناقضات داخل كيان واحد بابتسامة لا تعبأ بصراعات الهوية؟ فبينما تسقط دول وتذوب حضارات تحت وطأة الغزو، تظل مصر حالة استثنائية عصية على قوانين السياسة والاجتماع، فهي لا تكتفي بمقاومة المعتدي، بل تمتصه داخل نسيجها وتعيد تشكيله وفق روحها، حتى يغادر المحتل وهو يتساءل بدهشة: من الذي غزا الآخر في النهاية؟
تخبرنا دروس التاريخ أن المهزوم يسير خلف المنتصر في اللغة والعادات، لكن مصر قلبت هذه القاعدة بمهارة أدهشت المفكرين، وكأن روح ذلك الشاب المسيحي القبطي المصري التي رفضت الانصهار في قوالب المذاهب هي امتداد لروح أجداده، فبرغم عقود الاحتلال الإنجليزي وتأثير الحملة الفرنسية ومن قبلهم الهكسوس والتتار وغيرهم ، لم يتخل المصريون عن لغتهم، ولم يخضعوا ألسنتهم لهيمنة المحتل، بل حافظوا على هويتهم الشرقية بصلابة لافتة، والأدهى أنهم بروحهم الساخرة قاموا بتمصير كلمات الإنجليز والفرنسيين ودمجها في حديثهم اليومي، لينتزعوا من الغازي هيبته الثقافية، كما فعل ذلك الفلاح الذي واجه جنديًا بريطانيًا غاضبًا بلغة حادة، فرد عليه ببساطة: يا واد ما توجعش دماغنا، لو كنت فالح ومن بلد عدلة كنت اتكلمت زينا، فهنا أعلن بفطرته أن السيادة لمن يتحدث بلسان الأرض لا لمن يحمل السلاح.
ويبرز هذا التناقض المدهش في العصر الفاطمي، حين جاء الفاطميون بمذهبهم وشيدوا القاهرة والأزهر ليكون منبرًا لدعوتهم، لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا، إذ احتضنت مصر مظاهر الفرح والاحتفال وحب آل البيت، ثم مضت في طريقها، ليصبح الأزهر لاحقًا منارة للإسلام السني، وهذا المزج الذي يجعل المصري سني العقيدة وشيعي الهوى في محبة آل البيت هو سر مصري خالص، حيث تذوب الفروق لتتحول إلى فانوس رمضان وحلاوة مولد وياميش، ولو ناقشت المصري في هذا التناقض سيجيبك ببساطة: إحنا بنفرح، هو الفرح له مذهب؟
وعلى مستوى الشخصية الوطنية، تقدم مصر لغزًا فريدًا يجمع بين السكون الظاهري والقوة الكامنة، فهي تبدو هادئة لدرجة يظن البعض أنها استسلمت، لكنها في الحقيقة الصخرة التي تحطمت عليها قوى كبرى، من المغول الذين أرعبوا العالم، إلى لويس التاسع وجيوشه، وهي الأرض التي يأتيها الغريب غازيًا فيتحول مع الوقت إلى واحد من أبنائها، يدافع عنها بكل ما يملك، كما حدث مع المماليك الذين بدأوا عبيدًا وانتهوا سلاطين، وحتى نابليون بونابرت الذي حاول التقرب من المصريين بارتداء زيهم، قابلوه بالسخرية، وأطلقوا عليه بونابرتي، وحولوا محاولته إلى نكتة، حتى غادر مهزومًا.
إن الكيان المصري يجمع بعبقرية بين قسوة الصحراء وحنان النيل، فيواجه المصري أزماته بروح ساخرة تحول الألم إلى قدرة على الاستمرار، فحتى المصطلحات الحديثة أخضعها لروحه، لتخرج من بين شوارع السيدة زينب والحسين بنكهة مصرية خالصة، فصارت الكلمات الأجنبية جزءًا من حياته اليومية، دون أن تفقده هويته، إنها هبة إلهية جعلت هذا الشعب ثابتًا أمام كل المتغيرات، فلا الغرب استطاع تبديله، ولا المذاهب الوافدة نجحت في زعزعة توازنه، لتبقى مصر دائمًا ذلك اللغز الذي لا يُفك، والوطن الذي يغير كل من يمر به دون أن يتغير هو، فلا ، فمصر هي الحالة الوحيدة التي لا تُستنسخ ولا تُقلد.
وفي ختام هذا المشهد الذي لا يشبه إلا مصر، نتقدم بخالص التهنئة إلى الإخوة المسيحيين وأقباط مصر بمناسبة أعيادهم، في صورة تعكس جوهر هذا الوطن الذي تعود أن يشارك أبناؤه بعضهم البعض أفراحهم بمحبة صادقة لا تعرف التفرقة. هذه هي مصر التي نهنئ على أرضها بعضنا البعض، وتبقى دائمًا نموذجًا للوحدة والتآلف. كل عام وأنتم بخير، وكل عام ومصر بشعبها، بمسلميها ومسيحييها، قطبي الأمة، وبجيشها، في خير وأمان واستقرار. يا مصر بتعمليها إزاي .
مصطفى البلك
[email protected]